نعــي وتعــزية | حين يترجّل المقاتلون الكبار… يبقى الوطن واقفًا على آثار خطواتهم.
«12-أكـتوبر» العيون المحتلة / الصحراء الغربية
الأحد: 15 مارس 2026
نعــي وتعــزية:
“حين يترجّل المقاتلون الكبار… يبقى الوطن واقفًا على آثار خطواتهم”
“ولا تحسبن الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياءٌ عند ربهم يُرزقون”
بقلوب يعتصرها الحزن، وبروحٍ مؤمنةٍ بأن درب الحرية لا يُعبد إلا بتضحيات الرجال الصادقين، تلقّت إدارة المنصة الصحراوية: “12-أكتوبر” للأعلام والتواصل نبأ رحيل المناضل الصحراوي الصلب “محمد بويا ولد ابيري”، الذي وافته المنية اليوم بمخيمات اللاجئين الصحراويين بعد صراع طويل مع المرض، وهو المرض الذي كان أثرًا لإصابة تعرّض لها في ميادين القتال خلال معارك التحرير، قبل أن تتفاقم مع سنوات العذاب والصمود داخل دهاليز الاعتقال السري في سجون الاحتلال المغربي.
لم يكن الراحل مجرد اسمٍ عابر في سجل المعاناة الصحراوية، بل كان صفحةً من صفحاتها الثقيلة، كتبت بالحبر والدم معًا. رجلٌ عرفته ساحات القتال مقاتلًا جسورًا، وساحات الأسر شاهدًا حيًا على قدرة الإنسان على الصمود حين يكون الوطن في القلب.
في ميادين المعارك، كان من أولئك الرجال الذين جعلوا العدو يتجرّع مرارة الهزيمة، مقاتلًا في صفوف جيش التحرير الشعبي الصحراوي بإيمانٍ لا يتزعزع بأن الحرية قدرٌ لا بد أن يولد من رحم التضحية.
ثم جاءت سنوات الاختفاء القسري والمخافي السرية، تلك السنوات التي حاول فيها الجلاد أن يكسر الروح قبل الجسد. لكن الراحل، ككثير من أبناء هذا الشعب الصابر، خرج منها أكثر صلابة، يحمل في ذاكرته جراحًا لم تندمل، ويزرع في رفاقه بذور الصبر والإيمان بعدالة القضية.
كان، رحمه الله، رجل حكمةٍ ورباطة جأش، يواسي رفاقه ويشد من عزائمهم، مؤمنًا بأن الطريق الطويل نحو الحرية لا يُقطع إلا بثبات الرجال الذين لا يساومون على الوطن ولا يبدلون العهد.
وبعد الإفراج سنة 1991، عاد إلى صفوف النضال بروح المقاتل نفسها، حتى أقعده المرض الذي ورثه من سنوات التعذيب في المخافي السرية، لكنه ظل وفيًا للعهد، صابرًا في صمت الكبار، لا يشكو وجعًا ولا يساوم على مبدأ.
اليوم يترجل “محمد بويا ولد ابيري” عن صهوة الحياة، لكنه يلتحق بقافلة أولئك الذين لم يغادروا الذاكرة الصحراوية قط، رجالٌ عاشوا للوطن ومضوا وهم يتركون خلفهم معنىً عميقًا للكرامة والصمود.
إن رحيل المناضلين من هذا الطراز ليس غيابًا بقدر ما هو انتقالٌ من زمن الحضور الجسدي إلى زمن الحضور الرمزي؛ حضورٍ يبقى في ذاكرة الشعوب التي تعرف كيف تحفظ أسماء من ضحوا من أجلها.
وبهذا المصاب الجلل، تتقدم المنصة الصحراوية: “12-أكتوبر” بأحرّ التعازي وأصدق مشاعر المواساة إلى عائلة الفقيد الكريمة، وإلى رفاقه ورفيقاته في درب النضال، وإلى أحبائه، وإلى عموم أبناء الشعب الصحراوي، سائلين الله أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يجزيه عن صبره وجهاده خير الجزاء، وأن يلهم ذويه ورفاقه جميل الصبر والسلوان.
“وإنا لله وإنا إليه راجعون”
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.