رد المنصة الصحراوية: “12-اكتوبر” | على بيان مندوبية سجون الاحتلال المغربي بيان عن البوتاسيوم… وصمتٌ عن القانون الدولي!…اعتراف بما يجب، وهروب مما يجب!

18

«12-أكـتوبر» العيون / الصحراء الغربية

الخميس: 23 يوليو 2026

لم يكن بيان المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج ردًا على قضية الأسير المدني الصحراوي “النعمة أصفاري”، بقدر ما كان محاولة لتغيير موضوع النقاش. فمنذ اليوم الأول لإضرابه المفتوح عن الطعام، لم يطالب الرجل بوجبة أفضل، ولا بسرير أكثر راحة، ولا بامتياز داخل السجن، بل طالب بتنفيذ قرارات وآراء صادرة عن آليات الأمم المتحدة اعتبرت احتجازه تعسفيًا، وأكدت وقوع انتهاكات جسيمة في قضيته. لكن المندوبية اختارت أن تجيب عن سؤال لم يطرحه أحد، وتتجاهل السؤال الوحيد الذي يطرحه الجميع.

أولًا: المندوبية تتباهى بأداء واجبها القانوني وكأنه إنجاز تاريخي.

خصصت نصف بيانها للحديث عن الفحوصات الطبية، والتحاليل، والمحاليل، والفيتامينات، والتنقل إلى المستشفى. وكأنها تنتظر من الرأي العام أن يصفق لها لأنها قامت بما يفرضه عليها القانون أصلًا.

إن الرعاية الصحية داخل السجون ليست صدقة، ولا هبة، ولا تفضلًا من الإدارة، بل حق قانوني أصيل للسجين والتزام قانوني على عاتق الدولة. وبالتالي فإن الحديث عن التطبيب بوصفه إنجازًا يشبه تفاخر إدارة مدرسة بأنها سمحت للتلاميذ بشرب الماء، أو تفاخر مستشفى بأنه استقبل المرضى. هذا ليس فضلًا، بل الحد الأدنى الذي يفرضه القانون الوطني والقواعد الدولية.

بل إن السؤال الحقيقي ليس: هل نقلتموه إلى المستشفى؟

السؤال هو: لماذا أوصلتموه أصلًا إلى اليوم السادس والأربعين من الإضراب المفتوح عن الطعام دون معالجة السبب الذي دفعه إليه؟

ثانيًا: حولتم الضحية إلى متهم.

تقول المندوبية إن الإضراب “قرار شخصي”، وكأنها بذلك تعتقد أنها تبرأت من المسؤولية.

لكن الحقيقة أبسط من ذلك.

الإضراب عن الطعام ليس سبب الأزمة.

بل هو نتيجتها. 

الإضراب عن الطعام ليس جريمة، ولا نزوة، بل أحد آخر أشكال الاحتجاج السلمي عندما تُغلق كل أبواب الإنصاف. والمسؤولية القانونية لا تبدأ من لحظة امتناع الأسير عن الطعام، بل من اللحظة التي تجاهلت فيها الدولة تنفيذ الآراء والقرارات الدولية المتعلقة بقضيته.

ومن العبث أن تتحدث الإدارة عن نتائج الإضراب، بينما ترفض الحديث عن أسبابه.

ثالثًا: بيان طبي للإجابة عن قضية قانونية.

قرأنا تفاصيل عن البوتاسيوم، وتخطيط القلب، وصور الأشعة، لكننا لم نجد كلمة واحدة عن:

    • رأي فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاحتجاز التعسفي.

    • قرار لجنة مناهضة التعذيب.

    • المطالبة الدولية بالإفراج عنه.

    • الانتهاكات التي وثقتها هيئات الأمم المتحدة.

وكأن المندوبية تعتقد أن انخفاض البوتاسيوم هو موضوع القضية، بينما الحقيقة أن القضية هي انخفاض احترام القانون الدولي.

رابعًا: أكبر مغالطة في البيان.

تدعي المندوبية أن مطالب “النعمة أصفاري” “لا تستند إلى أي أساس قانوني”.

وهذه ربما أخطر جملة في البيان كله.

لأن الأسير لا يطالب بتغيير قانون السجون المغربي، ولا يطالب بإصدار قانون جديد، وإنما يطالب بتنفيذ قرارات وآراء صادرة عن آليات رسمية للأمم المتحدة، وباحترام التزامات دولية ارتضت المملكة المغربية الانضمام إليها طواعية.

فكيف تصبح المطالبة بتنفيذ القانون الدولي “بلا أساس قانوني”؟

إن مطالبة أسير بتنفيذ آراء أممية لا يمكن وصفها بأنها “بلا أساس قانوني”، إلا إذا كانت المندوبية تعتبر أن القانون الدولي نفسه لا أساس له.

إنها مفارقة لا تثير الدهشة بقدر ما تثير السخرية.

خامسًا: عندما يصبح الهاتف أخطر من التعذيب.

بدل أن تنفي المندوبية الوقائع التي نقلتها زوجة “النعمة أصفاري”، اختارت أن تعاقبه بمنع الهاتف، بحجة أنه يستعمله لنقل “معطيات مغلوطة”.

وهنا يبرز السؤال البسيط:

إذا كانت تلك المعطيات كاذبة، فلماذا الخوف من استمرار التواصل؟

ولماذا يُعاقب السجين على الكلام، بدل الرد على كلامه بالأدلة؟

إن منع التواصل مع العالم الخارجي لا يصنع الحقيقة، بل يصنع مزيدًا من الشكوك.

سادسًا: الزيارات لا تمحو الانتهاكات.

تفاخر البيان بزيارة نائب الوكيل العام وممثلي المجلس الوطني لحقوق الإنسان.

لكن الزيارة ليست حكمًا بالبراءة.

فالزيارة لا تلغي رأيًا صادرًا عن فريق الأمم المتحدة، ولا تمحو قرار لجنة مناهضة التعذيب، ولا تنسف مواقف المنظمات الدولية التي تعتبر استمرار احتجاز “النعمة أصفاري” مخالفًا للقانون الدولي.

سابعًا: الغائب الأكبر عن البيان.

في أكثر من ألف كلمة، لم تستطع المندوبية أن تذكر سببًا واحدًا يجعل “النعمة أصفاري” مستمرًا في الإضراب منذ أكثر من شهر ونصف.

تحدثت عن الفيتامينات…

وسكتت عن الاحتجاز التعسفي.

تحدثت عن المصل…

وسكتت عن التعذيب.

تحدثت عن المستشفى…

وسكتت عن المحاكمة العادلة.

تحدثت عن الهاتف…

وسكتت عن قرارات الأمم المتحدة.

وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.

فبيان المندوبية لم يكن دفاعًا عن القانون، بل كان محاولة للهروب منه.

ولو كانت قضية “النعمة أصفاري” مجرد قضية طبية، لانتهت بحقنة مصل.

لكنها في الحقيقة قضية قانونية وحقوقية وسياسية دولية، لن تحجبها بيانات إدارية، ولن تختزلها نتائج تحاليل مخبرية.

إن “النعمة أصفاري” لا يضرب عن الطعام من أجل سرير أفضل، بل من أجل العدالة.

وحتى يتحقق ذلك، ستظل كل البيانات الرسمية، مهما أطالت الحديث عن البوتاسيوم والفيتامينات، عاجزة عن الإجابة عن السؤال الذي يؤرقها:

لماذا تعتبر آليات الأمم المتحدة احتجازه تعسفيًا، بينما تصر السلطات المغربية على تجاهل ذلك؟

والمفارقة المؤلمة أن الجهة التي يفترض بها احترام القانون، اختارت أن تكتب بيانًا طويلًا عن البوتاسيوم… وصمتت عن القانون الدولي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.