«صندوق الاحتلال» الحلقة التاسعة | المال والمصالح والتزوير حين يدخل المال إلى الصندوق… تتحول الانتخابات إلى سوق للنفوذ.

6

المنصة الصحراوية: “12-أكـتوبر”

العيـــون عاصمة / الصحراء الغربية

الاثنين: 21 سبتمبر 2026

في الحلقة التاسعة من سلسلة «صندوق الاحتلال»، لا نتحدث عن انتخابات في فراغ، ولا عن صندوق منفصل عن الواقع السياسي والاجتماعي الذي يُدار فيه. 

في الأرض المحتلة، لا تبدأ الانتخابات يوم الاقتراع، ولا تنتهي عند الصندوق.

إنها منظومة مخزنية تبدأ بالمال، وتتحرك عبر المصالح، وتصل إلى شراء الأصوات، ثم تنتهي بنتيجة يراد لها أن تُقدَّم أمام العالم باعتبارها تعبيرًا عن الإرادة الشعبية.

وهنا تدخل المنصة الصحراوية: “12-اكتوبر” إلى أخطر تفاصيل هذه المنظومة، بما عاينته ميدانيًا وما جمعته من شهادات خلال الحملة الانتخابية الحالية.

الصوت الذي ارتفع سعره

وقفت المنصة: “12-اكتوبر” خلال الحملة الانتخابية الجارية في الأرض المحتلة على معطيات وشهادات تتحدث عن ارتفاع ثمن الصوت الواحد إلى ما بين 100 و200 دولار أمريكي في بعض الحالات.

وللمقارنة، تشير معطيات وشهادات ميدانية جمعتها المنصة من محطات انتخابية سابقة، بينها انتخابات 2002، إلى أن ثمن الصوت كان يتراوح آنذاك في حدود 20 إلى 30 دولارًا.

أي أننا أمام ارتفاع هائل في قيمة الصوت الانتخابي.

ففي دائرة العيون خلال انتخابات 2021، أظهرت النتائج المنشورة أن إحدى اللوائح الفائزة حصلت على 47,548 صوتًا، فيما حصلت لائحة أخرى على 17,675 صوتًا، وثالثة على 8,198 صوتًا. وهذه الأرقام تخص اللوائح الانتخابية، لا المرشحين بصورة فردية، لكنها تكشف حجم الكتلة التصويتية التي تدخل في معادلة الفوز، وفق النتائج المنشورة للدائرة.

وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد شراء صوت:

من أين يأتي المال الذي يمكن أن يُضخ لشراء آلاف الأصوات؟

والأخطر أن ما تقف عليه المنصة يشير إلى أن شراء الصوت في الأرض المحتلة لا يرتبط فقط بمحاولة ضمان فوز مرشح، وإنما يمكن أن يستخدم أيضًا لرفع نسبة المشاركة وإنتاج صورة انتخابية أمام الخارج.

أي أن الصندوق لا يصبح مجرد وسيلة لاختيار الفائز، بل جزءًا من إنتاج مشهد سياسي يراد تقديمه باعتباره تعبيرًا طبيعيًا عن المشاركة المحلية.

شراء الأصوات… ليس مجرد رواية

وزارة الخارجية الأمريكية وثقت في تقاريرها حول الانتخابات المغربية لعام 2021 وجود مزاعم بشأن شراء الأصوات وترهيب المرشحين، كما تحدثت تقاريرها عن الفساد الحكومي المتكرر.

وفي تقارير سابقة حول الصحراء الغربية، أشارت الخارجية الأمريكية كذلك إلى علاقة المصالح الاقتصادية بالسلطة، وإلى اعتماد السكان على الوظائف الحكومية ورخص سيارات الأجرة والعلاقات مع المسؤولين للحصول على بعض المنافع.

وهذا مهم؛ لأن شراء الصوت لا يحدث دائمًا بالنقود المباشرة فقط.

أحيانًا يكون الثمن:

مالًا.وظيفة.رخصة.مصلحة.وعدًا.أو حمايةً لمصلحة قائمة.

وهنا تتحول الانتخابات من منافسة بين البرامج إلى شبكة من المصالح المتبادلة.

إنها شبكة مصالح تجعل الناخب لا يدخل إلى الصندوق باعتباره مواطنًا حرًا ومستقلًا بالضرورة، وإنما قد يدخل إليه وهو يحمل معه حسابات الوظيفة والرخصة والمصلحة والمال.

كيف أُفرغت الساحة من المرشح الحر؟

في السنوات الماضية، كان المشهد يعرف مرشحًا قريبًا من السلطة، وآخر يقدم نفسه باعتباره مستقلًا، يحمل برنامجًا يتحدث عن الإصلاح والتنمية والديمقراطية والمساواة.

أما اليوم، فتقول المنصة إن الساحة الانتخابية في الأرض المحتلة أصبحت أكثر انغلاقًا أمام المرشح الذي لا يملك شبكة المال والمصالح والنفوذ.

فالمرشح الحر يدخل ومعه:

برنامج، خطاب، ووعود بالإصلاح.

بينما يدخل المرشح المرتبط بشبكات النفوذ ومعه:

المال، والمصالح، والولائم، والمهرجانات، وشبكات العلاقات، والقدرة على الوصول إلى الموارد والمنافع.

والنتيجة أن المنافسة لا تبدأ من نقطة واحدة.

وحين تتكرر التجربة، ينسحب المرشحون الذين يكتشفون أن امتلاك البرنامج لا يكفي لمواجهة منظومة المال والنفوذ.

وهكذا يحدث الأخطر:

لا تحتاج منظومة المخزن إلى منع المرشح الحر من الترشح… يكفي أن تجعل الترشح الحر بلا فرصة حقيقية للمنافسة.

وعندما يتقاطع المال السياسي مع المال غير المشروع

هنا لا تتحدث المنصة عن اتهامات عامة، وإنما عن وقائع ظهرت بالفعل في ملفات قضائية.

ففي قضية «إسكوبار الصحراء»، أصدرت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء في يونيو 2026 أحكامًا بحق عدد من المتهمين، بينهم مسؤولون ومنتخبون سابقون، في قضية مرتبطة بالاتجار الدولي في المخدرات، وشملت الأحكام عقوبات سجنية ومصادرات وغرامات مالية تجاوز مجموعها 9 مليارات درهم. ومن بين المحكوم عليهم البرلماني السابق سعيد الناصري بعقوبة 10 سنوات، وعبد النبي بعيوي بـ12 سنة.

هذه القضية لا تعني أن كل منتخب متورط في المخدرات، لكنها تكشف أن تقاطع المال والجريمة المنظمة والنفوذ السياسي ليس افتراضًا نظريًا؛ فقد ظهر بالفعل في قضية قضائية انتهت بأحكام.

وهنا يطرح السؤال نفسه:

ماذا يحدث عندما يدخل المال غير المشروع إلى الانتخابات، ثم يتحول صاحبه إلى منتخب وصاحب نفوذ؟

التزوير لا يبدأ يوم إعلان النتائج

من منظور المنصة الصحراوية: “12-اكتوبر”، لا يختزل التلاعب الانتخابي في لحظة تغيير ورقة داخل صندوق.

التلاعب يبدأ قبل الصندوق.

يبدأ عندما لا تكون المنافسة متكافئة.

ويبدأ عندما يُشترى الصوت.

ويبدأ عندما تتحول الوظيفة والرخصة والمصلحة إلى أدوات انتخابية.

ويبدأ عندما يستطيع مرشح أن ينفق على الولائم والمهرجانات وشراء الأصوات، بينما لا يملك منافسه سوى برنامجه.

ثم يأتي يوم الاقتراع.

وهنا تقول شهادات ميدانية حصلت عليها المنصة إن أجهزة النفوذ المخزنية قد تتدخل عندما تكون النتائج مهددة بالانقلاب على المرشح المرغوب فيه؛ وهي نقطة تحتاج في كل حالة إلى توثيق مستقل ومباشر، لكنها تفسر، في نظر المنصة، لماذا أصبحت المنافسة الحرة أضيق فأضيق في الأرض المحتلة.

لماذا يصل الصوت إلى 200 دولار؟

هذه هي النقطة الأخطر.

فالمنصة لا تتحدث فقط عن سعر الصوت، وإنما عن وظيفة الصوت.

فإذا كان الصوت في الداخل المغربي يمكن أن يدور، بحسب المعطيات التي وقفت عليها المنصة، في حدود عشرات الدولارات، بينما تصل قيمته في الأرض المحتلة إلى 100 أو 200 دولار، فإن السؤال يصبح:

لماذا كل هذا الإنفاق على صوت واحد؟

الجواب الذي تطرحه المنصة واضح:

لأن المسألة لا تتعلق دائمًا بالفوز بالمقعد فقط، وإنما بإنتاج نسبة مشاركة مرتفعة يمكن تقديمها أمام العالم باعتبارها دليلًا على اندماج السكان ومشاركتهم في المؤسسات المغربية.

وهنا يتحول الناخب إلى رقم في صورة سياسية أكبر من مجرد الانتخابات.

المنصة الصحراوية تقول ما عاينته

نعرف أن كثيرًا من هذه الوقائع لا تصل إلى المحاكم.

ونعرف أن من يبيع صوته أو يشهد على شرائه قد يخشى كشف هويته، أو المتابعة، أو الضغط، أو تلفيق التهم.

لكن صعوبة التوثيق لا تعني غياب الواقعة.

المنصة: “12-اكتوبر” تعمل في الميدان، وتستمع إلى الشهود، وتتابع الحملات، وتقارن المعطيات، وتضع ما تعاينه إلى جانب ما وثقته المصادر الدولية.

ولهذا نقول بوضوح:

الصندوق الذي يسبقه المال، وتحكمه المصالح، وتحيط به شبكات النفوذ، لا يمكن اختزال ديمقراطيته في لحظة وضع الورقة داخله.

قد يُشترى الصوت… وقد يُصنع المرشح… وقد تُنتج النتيجة، لكن ذلك كله لا يمنح الصندوق حق الحديث باسم شعب لم يمنحه أصلًا تفويضًا لتقرير مصيره. 

الخــلاصة

المشكلة ليست في ورقة الاقتراع وحدها.

المشكلة تبدأ قبل الورقة:

من يملك المال؟

من يملك شبكة المصالح؟

من يملك الوظائف والرخص؟

من يستطيع تنظيم الولائم والمهرجانات؟

من يستطيع شراء الصوت؟

ومن يستطيع حماية المرشح عندما تصبح المنافسة على المقعد منافسة على النفوذ؟

ثم يأتي الصندوق في النهاية ليعطي لهذه المنظومة شكلًا انتخابيًا.

ولهذا فإن السؤال في الأرض المحتلة ليس فقط:

من فاز؟

بل:

كيف فاز؟

ومن دفع؟

ولمن؟

وبأي مال؟

ولأي غاية؟

وهل كان الصندوق يعكس إرادة الناخب… أم كان في بعض الحالات مجرد المحطة الأخيرة لمسار بدأ بالمال وانتهى بالنتيجة؟

قد يستطيع المال أن يشتري صوتًا… وقد يستطيع النفوذ أن يصنع مرشحًا… لكن لا المال ولا الصندوق يستطيعان تحويل الاحتلال إلى حق، ولا تحويل المشاركة الانتخابية إلى تقرير للمصير. 

وفي الحلقة المقبلة:  

«صندوق الاحتلال | الحلقة العاشرة: أين كان المنتخبون؟

«خمس سنوات من الانتهاكات في الأرض المحتلة… ماذا فعل ممثلوها داخل البرلمان؟

«من السهل أن يطلب المرشح صوت المواطن كل خمس سنوات… لكن الأصعب أن يجيب المواطن: أين كان صوتك عندما كان صوتي يُقمع؟»

يتبــع…

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.