«76.3% من الأسر المغربية | تشكو انهيار مستوى المعيشة.. حكومة تعترف بالأزمة ومواطنون يواجهون القبضة الأمنية.

24

المنـصـة الصحـراوية: “12-أكـتوبر”

الـربـاط / المـغــرب

الجمعة: 06 نوفمبر 2026

كشفت معطيات رسمية صادرة عن المندوبية السامية للتخطيط بالمغرب عن اتساع دائرة التدهور المعيشي داخل المجتمع المغربي، في ظل استمرار ارتفاع تكاليف الحياة وتآكل القدرة الشرائية للأسر، حيث أقرت 76.3% من الأسر بتراجع مستوى معيشتها خلال الاثني عشر شهراً الماضية، فيما أكدت 95.9% منها ارتفاع أسعار المواد الغذائية، في مؤشرات تعكس عمق الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها شرائح واسعة من المواطنين.

وتضع هذه الأرقام الرسمية الحكومة المغربية أمام أسئلة متزايدة بشأن حصيلة سياساتها الاقتصادية والاجتماعية، ومدى قدرتها على حماية القدرة الشرائية للمواطنين، في وقت باتت فيه متطلبات الحياة الأساسية تستنزف دخول الأسر، وتدفع أعداداً منها إلى الاقتراض أو استنزاف مدخراتها لتغطية النفقات اليومية.

غلاء المعيشة.. أزمة تتجاوز الأرقام

لا تقف المؤشرات عند حدود الشعور بتراجع مستوى المعيشة، إذ تشير معطيات المندوبية إلى أن 39% من الأسر اضطرت إلى الاقتراض أو السحب من مدخراتها لمواجهة نفقاتها، مقابل 2.8% فقط تمكنت من ادخار جزء من دخلها.

كما تتوقع 77.9% من الأسر استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، بينما ترى 51.7% أن مستوى معيشتها مرشح لمزيد من التدهور.

وتكشف هذه المعطيات عن اختلال واضح بين مداخيل قطاعات واسعة من المجتمع وتكاليف الحياة، وتثير تساؤلات حول فعالية التدابير الحكومية المعلنة لمواجهة الغلاء، وضبط الأسواق، وحماية المستهلك، ومراقبة سلاسل الإنتاج والتوزيع.

من الاحتجاج الاجتماعي إلى المواجهة الأمنية

وفي موازاة هذه الأزمة المعيشية، شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة موجات احتجاج اجتماعي وشعبي على ارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات الأساسية، قبل أن تتخذ الاحتجاجات الشبابية التي قادتها حركة «جيل زد 212» خلال خريف 2025 منحى وطنياً، رافعة مطالب تتعلق بإصلاح قطاعي الصحة والتعليم، ومكافحة الفساد، وتحسين الإنفاق العمومي.

غير أن التعامل الأمني مع هذه التحركات أثار انتقادات حقوقية دولية واسعة؛ إذ وثقت منظمة العفو الدولية استخداماً غير قانوني للقوة، وتقارير عن مقتل ثلاثة محتجين وإصابة العشرات واعتقال أكثر من 400 شخص منذ أواخر سبتمبر 2025.

كما وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش استخدام قوات الأمن القوة القاتلة خلال بعض الاحتجاجات، واللجوء إلى الاعتقالات الواسعة في مواجهة التحركات الشبابية.

وتعيد هذه الوقائع طرح إشكالية التعامل مع المطالب الاجتماعية داخل المغرب، ومدى احترام الحق في الاحتجاج السلمي والتعبير عن التذمر من الأوضاع الاقتصادية والخدمات العامة.

المسؤولية السياسية.. من يحاسب عن تدهور الأوضاع؟

إن صدور هذه الأرقام عن مؤسسة رسمية مغربية يضع الحكومة أمام مسؤولية سياسية ومؤسساتية لا يمكن تجاوزها بالخطاب التواصلي أو الاكتفاء بتقديم مؤشرات النمو والاستثمارات والمشاريع الكبرى، بينما تكشف معطيات الأسر عن صعوبة متزايدة في تأمين الاحتياجات الأساسية.

كما أن مسؤولية تدبير الأزمة لا تنحصر في الحكومة وحدها، بل تمتد إلى منظومة اتخاذ القرار والرقابة والمحاسبة، وإلى السياسات العمومية التي يفترض أن تجعل تحسين ظروف المواطنين أولوية تتقدم على الاعتبارات السياسية والاقتصادية الأخرى.

فحين يصبح تأمين الغذاء والسكن والخدمات الصحية والتعليمية عبئاً متزايداً على الأسر، وحين تواجه المطالب الاجتماعية باعتقالات واستخدام للقوة، فإن المسألة تتجاوز الاختلال الاقتصادي إلى سؤال أوسع يتعلق بالمساءلة والحقوق والحريات.

السؤال الذي تطرحه الأرقام الرسمية لم يعد كم بلغ معدل النمو، بل إلى أي مدى انعكس ذلك على حياة المواطنين؟ ومن يتحمل مسؤولية الفجوة بين الوعود الاقتصادية والواقع الاجتماعي؟

وتؤكد هذه المعطيات أن الأزمة المعيشية ليست مجرد انطباع عابر لدى الأسر، وإنما واقع اجتماعي موثق يستدعي معالجة سياسية واقتصادية جدية، واحترام حق المواطنين في التعبير والاحتجاج السلمي.

الإطار القانوني:
تكفل المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الحق في مستوى معيشي كافٍ، بما يشمل الغذاء والسكن، فيما تحمي المادتان 19 و21 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية حرية التعبير والتجمع السلمي، وتُلزم الدولة باحترام هذه الحقوق وحمايتها.

التعليقات مغلقة.