“النعمة الأسفاري” | ها نحن ندق مسماراً ثانياً في نعش الاحتلال بعد مخيم أكديم إزيك.
«12-أكـتوبر» باريس / فرنسا
الإثنين: 20 يوليو 2026
بقلــم: “ابراهيم عيسى الديحاني”
ارتأيت أن أعنون مقالي هذا بجملة صدحت بها حنجرة المعتقل السياسي النعمة الأسفاري في القاعة رقم (01) بالمحكمة العسكرية بالرباط. بتاريخ 08 فبراير 2013 ،هناك كان لي شرف حضور محاكمة “أكديم إزيك”، وكان لي شرف تدوين مرافعات المعتقلين السياسيين الصحراويين (مجموعة أكديم إزيك).
ثمة تفاصيل لن تُمحى من ذاكرتي؛ فبعد أن نادى القاضي على النعمة الأسفاري، وقف شامخاً بزيه الصحراوي، واستدار نحو هيئة الدفاع، والمراقبين الدوليين، والصحافة، ومن سُمّوا بـ “المطالبين بالحق المدني”، ليصدح بكل ما أوتي من قوة، وبصوت شجي يحمل في نبراته معاناة شعب تحت وطأة الاحتلال، قائلاً بملء فيه:
“ها نحن ندق مسماراً ثانياً في نعش الاحتلال بعد مخيم أكديم إزيك”.
يا لها من كلمات نزلت على الجميع كالصاعقة! ألجمت لسان القاضي وممثل الحق العام العسكري (المدعي العام العسكري)، فكأن على رؤوسهم الطير.
وقف النعمة بكل ثبات وشموخ، كجبال “واركزيز” ورمال الصحراء، مجابهاً القاضي ومن يحيط به من ضباط عسكريين رُسم الخوف والرهبة في نظراتهم رغم رتبهم العالية. أرادوا محاكمته، فجاءتهم كلماته الموزونة والدقيقة كأنها رصاصات تنطلق من فوهة رشاش أوتوماتيكي لتنغرس في عقولهم وتربك حساباتهم. أرادوها محاكمة له ولرفاقه، لكنهم وجدوا أنفسهم في لجة ما لا يطيقون ولا يجيدون الغوص فيه. وحين قال النعمة —واقتبس هنا بالحرف ما دوّنته على لسانه—:
“… بأن تنظيم المخيم وتسييره ينمّ عن أن ساكنة الصحراء الغربية مؤطرة ومنظمة، والفضل يعود للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي”.
لن أنسى ذلك المشهد الدراماتيكي؛ ففور نطق هذه الكلمات، وقف القاضي والضباط كأنهم تلقوا أمراً عسكرياً صارماً، وانسحبوا من القاعة دون أن ينبس القاضي ببنت شفة.
اليوم، وأنا أتابع معركة الأمعاء الفارغة التي يخوضها رفيق الدرب الأخ النعمة، ومعه الرفيق المناضل محمد لمين هدي، لإسماع صوتهما للعالم الحر ولفت الانتباه إلى الواقع المرير الذي يمران به في السجون، تعيدني نوستالجيا المكان والزمان إلى برودة قاعة المحكمة العسكرية في الصباح الباكر. وفي هذا السياق، لا يمكن أن ننسى بقية أفراد المجموعة الصامدة التي خاضت وتخوض إضراباً إنذارياً عن الطعام (يتراوح بين 48 و72 ساعة)، في خطوة تضامنية جسورة تعكس وحدة الصف والهدف مع الرفيقين المضربين.
تلك الأيام تعيدني إلى الدفء والنار الملتهبة التي كانت توقدها عزيمة النعمة ورفاقه عند دخولهم، وهم يرددون الشعارات الثورية والحقوقية المؤمنة بعدالة قضيتهم، وممجدين الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصحراوي.
نعم، يعود بي النعمة إلى تلك النقاشات الأكاديمية والقانونية والتأصيلية للقضية والوضع الإقليمي للمنطقة أثناء زيارتهم في سجن “سلا 2” بالمغرب؛ تلك النقاشات التي تلت الأحكام الجائرة الصادرة بحقه وبحق رفاقه، والتي لم تزدهم إلا صلابة وقوة وعزيمة. لقد انقلب السحر على الساحر، وأصبح السجان هو من يربكه صمود الأبطال طيلة هذه السنوات.
استحضرت ذكريات كثيرة من محاكمة المجموعة، وتأملت كيف لمعتقل سياسي أن يحوّل محاكمته الشخصية إلى محاكمة لنظام يمتلك ترسانة وعتاداً وقوة، ليقف في النهاية عاجزاً ومحبطاً أمام إرادة لا تلين، وكلمات النعمة خير دليل على ذلك.
أقول لأخي ورفيقي النعمة، وللرفيق محمد لمين، وبقية الرفاق الأحرار: إن جملتك التي افتتحت بها مرافعتك التاريخية، أضيف إليها اليوم أنكم بمعركتكم الحالية بأمعائكم الخاوية، تدقون مسماراً ثالثاً في نعش هذا الاحتلال.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.