قراءة سياسية وقانونية للمنصة | “12-أكتوبر” لإنتخابات المغرب في الصحراء الغربية.. حين يحاول الاحتلال تحويل صندوق الاقتراع إلى أداة لتكريس الأمر الواقع.

47

المنصة الصحراوية: “12-أكـتوبر”

العيـــون عاصمة / الصحراء الغربية

الخميس: 10 سبتمبر 2026

بين واقع الاحتلال وشرعية تقرير المصير.. هل تستطيع انتخابات تُنظَّم تحت السيطرة أن تمنح السيادة لمن لا يملكها؟
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المغربية المقررة في 23 سبتمبر/أيلول 2026، تعود إلى الواجهة واحدة من أكثر الأدوات السياسية التي تعتمدها الرباط في إدارة واقعها الميداني في الصحراء الغربية: إدماج الإقليم في الاستحقاقات الانتخابية والمؤسسات السياسية المغربية، ثم تقديم المشاركة والنتائج باعتبارها صورةً عن قبول السكان بالسيادة المغربية ومشروع الحكم الذاتي.
غير أن المسألة، من منظور القانون الدولي، لا تُحسم بعدد صناديق الاقتراع، ولا بعدد الناخبين، ولا بعدد المقاعد البرلمانية التي ستُعلن نتائجها في العيون أو الداخلة او باقي المدن.
فالصحراء الغربية ما تزال مدرجة لدى الأمم المتحدة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي منذ عام 1963، كما أن بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية MINURSO لا تزال موجودة في الإقليم منذ إنشائها سنة 1991 بموجب قرار مجلس الأمن رقم 690، في إطار خطة التسوية التي تضمنت تنظيم استفتاء يختار فيه شعب الصحراء الغربية مستقبله.
وهنا تحديدًا تبدأ المفارقة التي تطرحها المنصة الصحراوية: “12-أكتوبر” للإعلام والتواصل:
كيف يمكن لانتخابات تنظمها الدولة التي تسيطر فعليًا على الإقليم أن تتحول إلى دليل على حسم قضية السيادة، بينما ما تزال الأمم المتحدة تتعامل مع الصحراء الغربية باعتبارها إقليمًا غير متمتع بالحكم الذاتي؟

صندوق الاقتراع لا يصنع السيادة
ليس من الصعب على المغرب أن ينظم انتخابات في المدن الصحراوية الواقعة تحت سيطرته الفعلية.
فهو يملك الإدارة والأجهزة والمؤسسات، وبالتالي يستطيع أن يفتح مكاتب التصويت، ويحدد الدوائر، ويقدم المرشحين، ويعلن النتائج.
لكن امتلاك القدرة على تنظيم الانتخابات لا يعني امتلاك الحق في تحويل نتائجها إلى وثيقة سيادة.
وهنا يقع الخلط الذي ينبغي تفكيكه بوضوح.
فالانتخابات التشريعية المغربية هي انتخابات لاختيار ممثلين داخل مؤسسات الدولة المغربية، وليست استفتاءً على الوضع النهائي للصحراء الغربية، ولا آليةً قانونيةً بديلة عن ممارسة شعب الإقليم لحقه في تقرير المصير.
وقد خلصت محكمة العدل الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر سنة 1975، إلى عدم وجود روابط سيادة إقليمية بين الصحراء الغربية والمغرب من شأنها التأثير في تطبيق مبدأ تقرير المصير.
ومن ثم، فإن انتخاب نائب في البرلمان المغربي لا يتحول، بمجرد إعلان النتيجة، إلى تصويت على مغربية الإقليم.
النائب المنتخب يبقى نائبًا في مؤسسة مغربية؛ ولا يتحول إلى وثيقة تثبت السيادة على إقليم لم يُحسم وضعه وفق قواعد تقرير المصير.

حين يُراد للانتخابات أن تقوم مقام الاستفتاء
المشكلة السياسية الحقيقية ليست في الانتخابات المغربية باعتبارها شأنًا داخليًا للمملكة.
بل في الوظيفة التي يُراد تحميلها لهذه الانتخابات خارج حدود وظيفتها الانتخابية الأصلية.
فالرباط تسعى، عبر إشراك الإقليم في الاستحقاقات الوطنية، إلى إنتاج صورة سياسية متكاملة:
صحراويون يترشحون،
صحراويون يصوتون،
صحراويون يفوزون بمقاعد،
نسب مشاركة تُعلن،
ومؤسسات منتخبة تعمل داخل المدن الصحراوية.
ثم تُجمع هذه العناصر كلها في رواية سياسية واحدة:
«انظروا، الصحراويون يشاركون؛ إذن هم يقبلون بالسيادة المغربية.»
لكن هذه النتيجة لا تلزم منطقيًا ولا قانونيًا.
فالمشاركة في مؤسسة قائمة بحكم الأمر الواقع لا تعني بالضرورة تفويضًا جماعيًا في قضية تقرير المصير، كما أن اختيار ممثل داخل البرلمان المغربي لا يعادل التصويت على الوضع النهائي للإقليم.
والأهم أن حق تقرير المصير لا يتحول إلى حق انتخابي داخل دولة أخرى لمجرد أن تلك الدولة قررت تنظيم انتخابات في الإقليم.

المينورسو حاضرة.. والاستفتاء غائب
ربما لا توجد مفارقة أكثر دلالة من استمرار وجود بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية في الإقليم، في الوقت الذي يجري فيه التعامل مع الانتخابات المغربية وكأنها البديل العملي عن أي مسار لتحديد إرادة شعب الصحراء الغربية.
لقد أنشئت MINURSO في سياق خطة التسوية التي كان الاستفتاء أحد عناصرها الأساسية. وما زالت البعثة قائمة حتى اليوم.
وهنا يحق للمتابع أن يطرح سؤالًا بسيطًا:
إذا كانت صناديق الاقتراع المغربية قد حسمت بالفعل إرادة سكان الإقليم، فما الحاجة أصلًا إلى بقاء بعثة أممية تحمل في اسمها «الاستفتاء»؟
إن وجود البعثة ليس تفصيلًا بروتوكوليًا.
إنه تذكير مستمر بأن القضية لم تتحول، في المنظومة الأممية، إلى شأن انتخابي مغربي داخلي.
وهذه الحقيقة تجعل الانتخابات المغربية في الإقليم جزءًا من سياسة إدارة الأمر الواقع، لا بديلًا عن التسوية السياسية التي يفترض أن تعالج الوضع النهائي للصحراء الغربية.

المال والمساومات.. صناعة المشاركة قبل صناعة النتائج
ثم تأتي الحلقة الأخرى من المشهد: استعمال المال والنفوذ والامتيازات وشبكات المصالح المحلية من أجل رفع مستوى المشاركة وتوجيه الولاءات الانتخابية.
وهذه الممارسات ليست جديدة على المواسم الانتخابية المغربية في الإقليم، حيث تحولت الانتخابات، على مدى سنوات، إلى مناسبة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والامتيازات السياسية والنفوذ المحلي مع عملية الاقتراع.
ولا تكمن خطورة ذلك في مجرد وجود منافسة انتخابية غير نزيهة فحسب، وإنما في الوظيفة السياسية التي تُراد للنتيجة أن تؤديها لاحقًا.
فكلما ارتفعت نسبة المشاركة، أمكن تقديم الأرقام للرأي العام الداخلي والخارجي باعتبارها دليلًا على الاندماج والقبول.
وكلما ارتفع عدد المشاركين الصحراويين، أمكن تسويق صورة مفادها أن الصحراويين أنفسهم أصبحوا جزءًا طبيعيًا من المؤسسات المغربية.
وهكذا لا يعود الصوت مجرد صوت.
بل يتحول إلى مادة في معركة سياسية حول الرواية.

والتزوير.. حين يصبح الرقم نفسه محل سؤال
ولا يمكن الحديث عن الانتخابات المغربية دون التوقف عند ما رافق مواسم انتخابية سابقة من فضائح وشكاوى مرتبطة بشراء الأصوات، واستعمال المال والنفوذ، والتلاعب بالعملية الانتخابية، وصولًا إلى الطعن في أرقام ونسب المشاركة والنتائج.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر عندما تُستخدم الأرقام الانتخابية نفسها كحجة سياسية في نزاع دولي.
فإذا كانت نسبة المشاركة المرتفعة ستُستخدم لإثبات «قبول الصحراويين» بالسيادة المغربية، فإن أي شكوك جدية تحيط بسلامة العملية الانتخابية تصبح ذات دلالة تتجاوز الانتخابات نفسها.
لذلك ينبغي ألا تُقرأ أرقام المشاركة بمعزل عن البيئة السياسية والاجتماعية التي أنتجتها.
فالرقم الذي يُصنع داخل صندوق الاقتراع لا يصبح تلقائيًا حقيقةً عن مستقبل شعب بأكمله.

المشاركة الفردية ليست تفويضًا جماعيًا
أما المشاركة الصحراوية في هذه الانتخابات، فهي مسألة ينبغي التمييز فيها بين الخيار الفردي للمواطن وبين الوظيفة السياسية التي تحاول السلطات المغربية إسنادها إلى ذلك الخيار.
فالمواطن الصحراوي الذي يشارك في انتخابات مغربية قد يكون مدفوعًا باعتبارات مختلفة، اقتصادية أو اجتماعية أو مصلحية أو سياسية، ولا يصح اختزال دوافع جميع المشاركين في تفسير واحد.
لكن ما لا ينبغي قبوله سياسيًا هو تحويل هذه المشاركة الفردية إلى تفويض جماعي باسم الشعب الصحراوي.
فالترشح أو التصويت في انتخابات البرلمان المغربي لا يمنح صاحبه تفويضًا للحديث باسم شعب الصحراء الغربية في قضية تقرير المصير.
كما أن انتخاب عدد من الصحراويين داخل المؤسسات المغربية لا يعني أن هؤلاء يمثلون إرادة الشعب الصحراوي بشأن مستقبله السياسي.
وهنا تحديدًا تستحضر الذاكرة الصحراوية عقودًا من الانتهاكات والاعتقال والاختفاء القسري والتعذيب، كما تستحضر محطة أكديم إيزيك وما خلفته من قتلى ومعتقلين وأحكام، باعتبارها جزءًا من الذاكرة الجماعية التي لا يمكن فصلها عن النقاش السياسي الراهن.
فالتاريخ لا يُعاد ترقيمه في محاضر مكاتب التصويت، والضحايا لا يتحولون إلى هامش في نشرة النتائج.

حين يتحول الصوت إلى أداة لتجميل الاحتلال
المسألة، في جوهرها، ليست في وجود ناخب داخل مركز اقتراع.
إنما في ما الذي سيُفعل بصوته بعد مغادرته المركز.
إذا استُخدم صوت الصحراوي لإظهار أن الإقليم «اختار المغرب»، أو لتقديم الانتخابات باعتبارها قبولًا بمشروع الحكم الذاتي، فإن صوتًا فرديًا يجري تحميله معنى سياسيًا جماعيًا لم يمنحه صاحبه بالضرورة.
وهنا تكمن المسؤولية السياسية والأخلاقية في الوعي بهذه الوظيفة.
فالمشاركة شيء، وتحويل المشاركة إلى شهادة جماعية على انتهاء قضية تقرير المصير شيء آخر.
والتعبير عن رأي فردي شيء، وتحويل ذلك الرأي إلى حجة تقول إن «الشعب الصحراوي اختار» شيء آخر تمامًا.

الحكم الذاتي.. هل يمكن أن تمنحه الانتخابات شرعية لم تمنحه الأمم المتحدة؟
تحاول الرباط منذ سنوات تقديم مشروع الحكم الذاتي باعتباره الحل الوحيد الذي ينبغي أن يُطرح للصحراء الغربية.
لكن الانتخابات المغربية لا تستطيع وحدها منح هذا المشروع صفة التفويض الشعبي الصحراوي.
فالحكم الذاتي، بوصفه مقترحًا سياسيًا مغربيًا، يظل جزءًا من النزاع السياسي، ولا يتحول إلى اختيار شعبي صحراوي لمجرد أن الانتخابات المغربية تُنظم في الإقليم ويشارك فيها بعض سكانه.
فمن يختار بين خيارات المستقبل هو صاحب الحق في تقرير المصير، لا السلطة التي تحدد مسبقًا السؤال والخيارات والناخبين والإطار الذي يجري داخله الاقتراع.
وهنا تحديدًا ينبغي الحذر من تحويل الأمر الواقع إلى أمرٍ مُسلَّم به.

المفارقة التي لا تحتاج إلى كثير من الشرح
هناك مفارقة سياسية تكاد تختصر المشهد كله:
بعثة أممية للاستفتاء موجودة في الإقليم، وإقليم ما زال مدرجًا ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، ومسار تقرير المصير لم يُحسم؛ وفي المقابل، يجري تنظيم انتخابات تشريعية مغربية وتقديمها للرأي العام وكأنها شهادة على انتهاء النزاع.
إنها معادلة غريبة:
استفتاء لم يُنجز، فيُراد للانتخابات أن تؤدي وظيفته.
وإذا كان الأمر كذلك، فربما ينبغي أن نبحث عن تفسير جديد لمفهوم الانتخابات:
هل أصبحت صناديق الاقتراع قادرة على تغيير خرائط الأمم المتحدة؟
لو كان الجواب نعم، لربما كان علينا إعادة النظر في كل كتب القانون الدولي.

الخلاصة:

لا تجعلوا من صندوق الاقتراع بوابةً لشرعنة الأمر الواقع
إن الانتخابات التشريعية المغربية في الصحراء الغربية، مهما كانت نتائجها ونسب المشاركة فيها، تظل انتخابات لمؤسسات الدولة المغربية، ولا يمكن تحويلها تلقائيًا إلى استفتاء على الوضع النهائي للإقليم أو إلى تفويض جماعي لشعب الصحراء الغربية بشأن مستقبله.
فالصحراء الغربية ما زالت مدرجة في قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وبعثة MINURSO ما زالت قائمة، ومبدأ تقرير المصير لم يسقط من أجندة الأمم المتحدة.
ومن ثم، فإن محاولة تقديم المشاركة الانتخابية باعتبارها دليلًا على انتهاء النزاع أو قبول الشعب الصحراوي بالسيادة المغربية أو بمشروع الحكم الذاتي ليست سوى خلط بين الانتخابات باعتبارها ممارسة داخلية، وتقرير المصير باعتباره حقًا مرتبطًا بالوضع الدولي للإقليم.
أما الصحراويون الذين تُستثمر مشاركتهم في صناعة هذه الرواية، فإن القضية بالنسبة إليهم لا ينبغي أن تختزل في مقعد برلماني أو منفعة عابرة أو وعد انتخابي؛ وإنما تظل مرتبطة بذاكرة شعب كاملة، وبضحايا ومعتقلين ومختفين قسريًا، وبأجيال حملت القضية لعقود.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الانتخابات في أرض متنازع على وضعها ليس أن تنتج برلمانًا جديدًا، وإنما أن تُستخدم لإنتاج رواية تقول إن النزاع انتهى دون أن يُسأل شعب الإقليم عن مصيره في إطار يحقق شروط تقرير المصير.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست مع صندوق الاقتراع في حد ذاته.
المعركة هي مع تحويل الصندوق إلى أداة لمحو القضية، وتحويل المشاركة إلى تفويض، وتحويل الأمر الواقع إلى شرعية.
وهنا تقول المنصة الصحراوية: “12-أكتوبر” بوضوح:
لا عدد المقاعد سيحسم وضع الصحراء الغربية، ولا نسبة المشاركة ستمنح السيادة، ولا الأرقام الانتخابية ستلغي حق شعب الإقليم في تقرير مصيره.
فالاحتلال يستطيع أن ينظم الانتخابات، ويستطيع أن يطبع أوراق الاقتراع، ويستطيع أن يعلن النتائج…
لكنه لا يستطيع أن يصوّت نيابةً عن التاريخ.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.