«صندوق الاحتلال» الحلقة الرابعة | أين الشباب الصحراوي؟ سجون، هجرة، تهميش ومخدرات: جيلٌ يُستنزف خارج الميدان.

28

المنصة الصحراوية: “12-أكـتوبر”

العيـــون عاصمة / الصحراء الغربية

الأربعاء: 16 سبتمبر 2026

في تاريخ الأمم والشعوب، لم يكن الشباب يومًا مجرد فئة عمرية تُضاف إلى الإحصاءات؛ بل كان دائمًا عمودها الفقري، وركيزتها، ورافعتها نحو المستقبل.
فالشباب هو طاقة الشعوب، وحامل وعيها، وقوة بنائها، وصانع مستقبلها. والأمة التي يُغيَّب شبابها أو تُستنزف طاقته، لا تفقد أفرادًا فحسب، بل تفقد القوة التي يفترض أن تحمل مشروعها إلى المستقبل.
ولهذا، فإن السؤال الذي تطرحه المنصة الصحراوية: “12-اكتوبر” للإعلام والتوتاصل في هذه الحلقة ليس: كم شابًا يوجد في سجل الناخبين؟ بل:
أين الشباب الصحراوي الموجود داخل المدن المحتلة؟
منذ الغزو والاحتلال المغربي للصحراء الغربية سنة 1975، واجه جيل الشباب الصحراوي واقعًا استثنائيًا داخل المدن المحتلة؛ واقعًا اتخذت فيه المشاركة السياسية والمدنية شكلًا مختلفًا تمامًا عن الحياة الطبيعية التي يفترض أن يعيشها الشباب في وطنه.
ومع مرور العقود، أصبح الشباب الذي يصر على هويته الوطنية وعلى حق شعبه في تقرير المصير هدفًا مباشرًا للاعتقال والقمع والتضييق، فيما واجه آخرون الإقصاء من فرص العمل والتهميش، بمن فيهم حاملو الشهادات.
وهكذا لم تعد المشكلة مجرد حرمان شاب من وظيفة أو اعتقال ناشط؛ بل أصبحت، في قراءتنا للمشهد، عملية استنزاف متواصلة للقوة الشبابية داخل المدن المحتلة.

السجن: حين يُخرج الحكمُ الشاب من الميدان
في السجون المغربية، يقبع معتقلون صحراويون صدرت بحق بعضهم أحكام ثقيلة تصل إلى 15 و20 سنة على خلفية قضايا مرتبطة بنشاطهم أو بالأحداث السياسية التي عرفتها الصحراء الغربية.
والقضية هنا ليست فقط في عدد سنوات العقوبة؛ بل في الأثر السياسي والاجتماعي لغياب الشاب عن مجتمعه طوال تلك السنوات.
فالشاب الذي كان يمكن أن يكون طالبًا، موظفًا، ناشطًا، صحفيًا، أو فاعلًا في مجتمعه، يصبح خلف القضبان.
وعندما يتكرر ذلك مع جيل كامل، يصبح السؤال أكبر من قضية كل معتقل بمفرده:
هل تتحول العقوبات الطويلة إلى وسيلة لإفراغ المجال العام من الجيل الأكثر قدرة على الحضور والمواجهة؟

الهجرة: حين يصبح الرحيل هو المخرج
ومن بقي خارج السجن ليس بالضرورة قد بقي في الميدان.
فمنذ منتصف تسعينيات القرن الماضي، شهدت المدن المحتلة، وفي مقدمتها العيون، خروج أعداد من الشباب الصحراوي نحو أوروبا عبر مسارات الهجرة غير النظامية.
وهنا نتحدث تحديدًا عن الشباب الذي كان يعيش داخل المدن المحتلة، وليس عن اللاجئين الصحراويين في مخيمات تندوف.
شباب دفعهم واقع الاحتلال، والتهميش، وانسداد الأفق، والخوف من الاعتقال والقمع، إلى البحث عن مخرج خارج الوطن، حتى ولو كان الطريق محفوفًا بالموت والمجهول.
وهكذا يخسر المجتمع جزءًا آخر من طاقته: شبابٌ كان يمكن أن يكون حاضرًا في الميدان، لكنه أصبح بعيدًا عنه بآلاف الكيلومترات.

والذين بقوا… يواجهون التهميش

أما الشباب الذي بقي، فليس الجميع قادرًا على الوصول إلى فرص متكافئة في التعليم والعمل والحياة العامة.
حاملو الشهادات يجدون أنفسهم أمام الإقصاء، وآخرون أمام البطالة وانسداد الآفاق، بينما يظل النشاط السياسي والحقوقي محفوفًا بالمخاطر.
وبذلك تتراكم الضغوط:
منع من العمل…
تضييق في الحياة العامة…
اعتقال عند النشاط…
وأفق اجتماعي وسياسي مسدود.

ثم يأتي المخدر: استنزاف من نوع آخر
وفي قلب هذا الواقع الاجتماعي المعقد، يبرز ملف المخدرات.

فالتقارير الدولية توثق أن المغرب من المصادر الرئيسية للحشيش ومشتقات القنب، كما توثق مسارات تهريب المخدرات من المغرب باتجاه أسواق شمال أفريقيا والساحل.

وفي العيون نفسها، تكشف العمليات الأمنية المعلنة عن ضبط الحشيش والمؤثرات العقلية وغيرها من المواد المخدرة.
لكن بالنسبة إلينا، فإن خطورة المسألة لا تقف عند تجارة المخدرات؛ بل عند أثرها على جيلٍ شبابي يعيش أصلًا تحت ضغط الاحتلال والتهميش وانسداد الأفق.
فكل شاب تستنزفه المخدرات هو طاقة اجتماعية ووطنية يجري إبعادها عن التعليم والعمل والإنتاج والمشاركة.
وهنا تكتمل الصورة التي نريد أن نضعها أمام القارئ:
شاب في السجن.
شاب دُفع إلى الهجرة.
شاب عاطل أو مهمش رغم شهادته.
وشاب آخر يستنزفه سوق المخدرات.
إفراغ الساحة من الشباب
وهنا تكمن المسألة التي تتجاوز كل حالة منفردة.
فالاحتلال لا يحتاج فقط إلى السيطرة على الأرض؛ بل يحتاج إلى تغيير موازين القوة داخل المجتمع الذي يعيش فوقها.
والشباب الصحراوي، بما يحمله من وعي وذاكرة وهوية وقدرة على الصمود والمقاومة المدنية، ظل عنصرًا أساسيًا في مواجهة سياسات فرض الأمر الواقع.
ومن هنا، فإن إفراغ المدن المحتلة من هذا الحضور الشبابي — بالسجن أو الهجرة أو التهميش أو الاستنزاف الاجتماعي — يعني عمليًا إضعاف إحدى أهم ركائز المقاومة المدنية، وترك المجال أكثر اتساعًا أمام سياسات الاحتلال الاستيطانية والتوسعية.
وهنا نصل إلى السؤال الذي تختصر فيه المنصة الصحراوية: “12-اكتوبر” هذه الحلقة كلها:
«حين يجد الشاب الصحراوي السجن من جهة، والهجرة من جهة ثانية، والتهميش من جهة ثالثة، وسوق المخدرات من جهة رابعة… فأيُّ مساحة تُترك له ليكون فاعلًا في تحديد مستقبل أرضه؟»
إنها ليست مجرد أزمات اجتماعية متفرقة.
إنها معركة على الإنسان كما هي معركة على الأرض.
فالأرض لا تُفرغ من أهلها بالسلاح وحده؛ يمكن أن تُفرغ أيضًا عندما يُدفع شبابها إلى السجن، أو إلى الهجرة، أو إلى البطالة والتهميش، أو يُستنزف جزء منهم في دوائر المخدرات والانحراف.
وبعد ذلك يأتي صندوق الانتخابات ليقدم لنا مشهدًا يبدو طبيعيًا:
ناخبون، صناديق، مرشحون، أرقام، ونسب مشاركة.
لكننا نسأل:
مَن بقي في الميدان؟
فإذا كان الشباب، وهو عماد المجتمع ورافعة مستقبله، قد جرى استنزاف حضوره بهذه الطرق، فهل تكفي ورقة انتخابية لإثبات أن هذا الجيل حاضر في صناعة مستقبل أرضه؟

الخـلاصـة
الاحتلال يستطيع أن ينظم انتخابات.
يستطيع أن يفتح صناديق.
يستطيع أن يحصي الأصوات.
لكنه لا يستطيع أن يجعل غياب الشباب حضورًا، ولا أن يجعل الإقصاء تمثيلًا، ولا أن يجعل سنوات السجن والهجرة والتهميش والمخدرات مجرد أرقام لا أثر لها.
ولهذا نقول:
«قد يستطيع الاحتلال أن يملأ الصندوق بالأصوات… لكنه لا يستطيع أن يملأ الفراغ الذي خلّفه تغييب أصحاب الأرض.»

الحلقة القادمة | «صندوق الاحتلال»
الحلقة الخامسة: مَن يتحدث باسم الصحراويين؟
«حين يتحدث الاحتلال باسم السكان… مَن يملك حق تمثيل الشعب؟»
يتبع…

التعليقات مغلقة.