“ليلة قطف الأزهار” | ذاكرة الناجين تفتح أبواب المخابئ السرية وتكسر صمت سنوات الألم.

96

المنـصـة الصحـراوية: “12-أكـتوبر”

الشهيد الحافظ / الدولة الصحراوية

الأربعاء: 25 أكتوبر 2026

تقديم كتاب «ليلة قطف الأزهار»
ليس من السهل أن تكتب الذاكرة حين تكون الذاكرة نفسها جرحا مفتوحا ، ولا أن يستعيد الإنسان تفاصيل أيام حاول الزمن أن يطمرها تحت ركام الألم والنسيان. فبعض الذكريات لا تروى لمجرد استحضار الماضي، وإنما تروى لأن هناك حقيقة ينبغي أن تقال، وشهادة ينبغي أن تحفظ، وأصواتا غابت طويلا خلف جدران الصمت.
ومن هذا المنطلق تأتي مذكرات “ليلة قطف الأزهار” للدكتور والأستاذ “محمدعالي الحيسن”، بوصفها شهادة ناج من تجربة قاسية عاش فصولها في المخابئ السرية بأكادير وأكدز وقلعة مكونة، وشهادة إنسانية تفتح أمام القارئ صفحة مؤلمة من صفحات تاريخ لم يكن الألم فيها مجرد إحساس عابر، بل كان يوما يعاش، وليلة تتكرر، وانتظارا طويلًا للمجهول.
إن أهمية هذا الكتاب لا تكمن فقط في الوقائع التي يسردها مؤلفه، وإنما في الطريقة التي يستعيد بها الإنسان ذاكرته بعد سنوات من المعاناة، فالناجي حين يكتب لا يستعيد الأحداث وحدها، بل يستعيد الوجوه، والأصوات، والظلام، والخوف، والانتظار، ولحظات الضعف والأمل، وكل التفاصيل الصغيرة التي ظلت عالقة في أعماق الذاكرة.
ويستهل الكتاب بتقديم للأستاذ “محمد لحبيب خليلي”، أحد أبناء الرعيل الأول الذين انخرطوا في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب، وهو تقديم يمنح للقارئ مدخلا إلى السياق العام الذي نشأت فيه تجربة المؤلف، وإلى جيل عاش مرحلة استثنائية بكل ما حملته من آمال وتضحيات ومحن.
ثم يأخذنا الكتاب إلى مدخل لرحلة الألم والمعاناة؛ حيث يبدأ القارئ في الاقتراب من عالم مختلف، عالم تتراجع فيه التفاصيل العادية للحياة أمام وطأة الخوف والانتظار، وتصبح فيه الحرية حلما بعيدا، ويغدو الزمن نفسه جزءا من المعاناة.
وفي ”ليلة الاختفاء السري“ يبلغ السرد إحدى أكثر محطاته قسوة، إنها اللحظة التي ينقطع فيها الإنسان عن عالمه، ويجد نفسه أمام مصير مجهول، دون أن يعرف إلى أين يقتاد، أو ماذا ينتظره. إنها ليلة تختزل في لحظاتها الأولى معنى الاختفاء، وما يرافقه من صدمة وقلق وأسئلة بلا إجابات.
ومن هناك تبدأ ”رحلة المجهول إلى أكادير“، حيث ينتقل الألم من صدمة الاختفاء إلى قسوة الطريق والمجهول. ثم تأتي ”رحلة الموت إلى مخبئ أكدز“، وهي محطة أخرى من محطات المعاناة، تتداخل فيها مشاعر الخوف والعزلة وفقدان الأمان، قبل أن تستمر الرحلة إلى مخبئ قلعة مكونة، حيث يأخذ الألم شكلا أكثر امتدادا، ويصبح الصبر وسيلة للبقاء.
وفي خضم هذه الرحلة الطويلة، لا يقدم المؤلف نفسه باعتباره بطلا منفردا لقصة شخصية، وإنما ينقل إلينا تجربة إنسانية أوسع، تجربة أولئك الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة ظروف قاسية، فحملوا آثارها في أجسادهم وذاكرتهم وأعمارهم.
ولعل من أكثر ما يمنح هذه المذكرات قيمتها أن صاحبها لا يكتب من موقع من سمع الحكاية، وإنما من موقع من عاشها. والفرق بين من يروي الألم ومن عاشه كبير، فالشهادة المباشرة تحمل تفاصيل لا تستطيع الكتب الباردة ولا الوثائق المجردة أن تنقلها بالعمق نفسه.
ثم تأتي محطة ”خبر الإفراج“، وهي اللحظة التي يلوح فيها الضوء بعد عتمة طويلة، غير أن الإفراج الجسدي لا يعني بالضرورة انتهاء السجن النفسي، فالإنسان قد يغادر المكان، لكن المكان لا يغادره بسهولة. وقد تنتهي سنوات الأسر، بينما تستمر آثارها في الذاكرة والوجدان.
إن قراءة ”ليلة قطف الأزهار“ ليست قراءة لمذكرات شخصية فحسب، وإنما هي مواجهة مع الذاكرة، والذاكرة حين تكون مثقلة بالألم تصبح مسؤولية أخلاقية. مسؤولية تجاه من عاشوا التجربة، وتجاه من رحلوا وهم يحملون أسرارها، وتجاه الأجيال التي ينبغي أن تعرف أن التاريخ لا يكتب فقط من خلال الأحداث الكبرى والعناوين السياسية، وإنما أيضا من خلال الإنسان الذي عاش تلك الأحداث ودفع ثمنها من عمره وحريته وكرامته.
ولذلك فإن هذا الكتاب يستحق أن يقرأ باعتباره وثيقة إنسانية وشهادة من شهود تلك المرحلة، وأن يحفظ باعتباره جزءا من الذاكرة التي لا ينبغي أن تضيع. فالأجيال الجديدة تحتاج إلى أن تعرف، لا لكي ترث الحقد، وإنما لكي تفهم الماضي، وتستوعب دروسه، وتدرك قيمة الحرية والكرامة الإنسانية، وتدرك كذلك أن وراء كل رقم وكل اسم وكل واقعة تاريخا من البشر والألم والانتظار.
أما عنوان الكتاب، ”ليلة قطف الأزهار“، فيحمل في ذاته مفارقة مؤلمة، فالأزهار رمز للحياة والجمال والبدايات، بينما توحي عملية قطفها بانقطاعها عن جذورها. وكأن العنوان يختصر مصائر أولئك الذين انتزعوا من حياتهم الطبيعية، واقتلعوا من فضائهم الإنساني، ليجدوا أنفسهم في عالمٍ من العزلة والمجهول.
وبين ليلة الاختفاء وخبر الإفراج تمتد رحلة طويلة من الألم، لكنها في الوقت ذاته رحلة بقاء، رحلة إنسان قاوم النسيان، وخرج من العتمة حاملا ذاكرته، ليضعها بين أيدي القراء شهادة لا تريد أن تنسى.
إن الدكتور والأستاذ “محمدعالي الحيسن”، وهو يستعيد هذه الصفحات، لا يكتب الماضي فقط، بل يفتح نافذة على الذاكرة، ويمنح القارئ فرصة لأن يصغي إلى صوتٍ ظل طويلا خلف أبواب المخابئ السرية.
وإذا كان للكتاب من رسالة أولى، فهي أن الذاكرة لا تموت ما دام هناك من يملك الشجاعة ليكتبها.
ومن هنا، فإن “ليلة قطف الأزهار” ليست مجرد مذكرات ناج ، إنها شهادة على زمن من الألم، ونداء إلى الذاكرة، ومحاولة لاستعادة الإنسان الذي كاد أن يبتلعه المجهول.
وحدها الشهادة تستطيع أن تقول ما عجز الصمت عن قوله، ووحدها الذاكرة تستطيع أن تعيد للألم اسمه، وللضحايا حضورهم، وللتاريخ بعضا من وجوهه التي غيبتها السنوات.
“محمد عالي الحيسن” يكتب إذن لا لكي يتذكر وحده، وإنما لكي لا ينسى.

✍️ بقـلـم: عبدالله بوشعاب

التعليقات مغلقة.