«صندوق الاحتلال» الحلقة الحادية عشرة والأخيرة | الصندوق لا يملك الأرض… من يملك حق تقرير مستقبل الصحراء الغربية؟

48

المنصة الصحراوية: “12-أكـتوبر”

العيـــون عاصمة / الصحراء الغربية

الأربعاء: 23 سبتمبر 2026

بعد عشر حلقات من البحث والتوثيق، وصلنا إلى السؤال الذي لا يمكن لصندوق الاقتراع أن يجيب عنه.
سألنا:
من يملك الصندوق؟
ومن يصوّت؟
ومن يمثل؟
وكيف تُستخدم الانتخابات؟
ومن يستفيد من المال والمصالح؟
أين الشباب الصحراوي؟
ماذا عن الثروات؟
ماذا عن القمع والانتهاكات؟
وأين كان المنتخبون خلال الولاية السابقة؟
لكن كل هذه الأسئلة تقودنا في النهاية إلى سؤال واحد:
هل يستطيع الصندوق أن يقرر مصير الأرض؟

أولًا: الانتخابات شيء… وتقرير المصير شيء آخر
قد تنتج الانتخابات أعضاءً في مؤسسة تشريعية.
وقد تنتج مجالس محلية.
وقد تمنح منتخبين مقاعد داخل مؤسسات الدولة المغربية.
لكن السؤال الذي يجب ألا يضيع وسط الأرقام والنتائج هو:
هل المشاركة في مؤسسة تشريعية مغربية تحسم الوضع النهائي للصحراء الغربية؟
القانون الدولي لا يجيب بهذه الطريقة.
فالأمم المتحدة ما زالت تدرج الصحراء الغربية ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي منذ سنة 1963، وتؤكد أن مسألة الإقليم لم تُستكمل تصفيتها من منظور تقرير المصير. 
وفي رأيها الاستشاري الصادر سنة 1975، خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن المواد والمعلومات المقدمة إليها لم تثبت وجود رابطة سيادة إقليمية بين الصحراء الغربية والمملكة المغربية من شأنها أن تؤثر في تطبيق مبدأ تقرير المصير. 
إذن:
يمكن للصندوق أن ينتج نائبًا.
لكن:
الصندوق لا ينتج سيادة.

ثانيًا: الصندوق المغربي ليس صندوق تقرير المصير
وهنا يجب أن نميز بين أمرين مختلفين تمامًا:
الانتخابات التشريعية المغربية
تختار ممثلين داخل المؤسسات الدستورية المغربية.
وبين:
تقرير المصير
وهو حق يتعلق بتحديد الوضع السياسي النهائي للإقليم وإرادة شعبه.
وهذا الفرق ليس مجرد قراءة سياسية للمنصة.
فقرار مجلس الأمن 690 لسنة 1991 أنشأ بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية MINURSO في إطار خطة التسوية التي تضمنت تنظيم والإشراف على استفتاء لتقرير المصير. 
وبالتالي فإن السؤال الذي طرحناه طوال هذه السلسلة يعود من جديد:
ماذا يقرر الناخب عندما يضع ورقته في الصندوق المغربي؟
إنه يختار ممثلًا داخل مؤسسة مغربية.
لكن ذلك لا يعني أن ورقته أصبحت استفتاءً على الوضع النهائي للإقليم.

ثالثًا: ماذا قالت محكمة العدل الدولية؟
في سنة 1975، كان السؤال أمام محكمة العدل الدولية يتعلق بالوضع القانوني للصحراء الغربية والروابط القانونية التي استندت إليها المطالبات الإقليمية.
وكان استنتاج المحكمة واضحًا في نقطة أساسية:
لم تجد روابط سيادة إقليمية بين الصحراء الغربية والمغرب من شأنها أن تؤثر في تطبيق مبدأ تقرير المصير. 
والأهم أن المحكمة أكدت أن تقرير المصير يفترض التعبير الحر والحقيقي عن إرادة سكان الإقليم. 
وهنا يعود السؤال:
هل يمكن لانتخابات تجري داخل نظام سياسي قائم أن تحل محل عملية تقرير المصير؟
الجواب الذي تقدمه لنا هذه المرجعيات القانونية هو أن الأمرين ليسَا الشيء نفسه.

رابعًا: ماذا قالت الأمم المتحدة عن تمثيل شعب الصحراء الغربية؟
في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 34/37 لسنة 1979، أعادت الجمعية التأكيد على الحق غير القابل للتصرف لشعب الصحراء الغربية في تقرير المصير والاستقلال، ووصفت جبهة البوليساريو بأنها «ممثلة شعب الصحراء الغربية» في سياق البحث عن حل سياسي عادل ودائم ونهائي. 
وفي 2016، ذكرت الأمانة العامة للأمم المتحدة أمام لجنة تصفية الاستعمار أن قراري 34/37 و35/19 تضمنا هذه الصفة، وأن تغيير هذا الإطار يتطلب قرارًا من الجمعية العامة نفسها. 
وهنا يظهر الفرق مرة أخرى:
النائب المنتخب داخل البرلمان المغربي يمثل دائرة انتخابية داخل النظام المغربي.
لكن هذا التمثيل لا يساوي تلقائيًا تمثيل شعب الصحراء الغربية في مسار تقرير المصير.

خامسًا: وماذا عن الثروات؟
هنا تصبح المسألة أكثر وضوحًا.
إذا كانت الانتخابات تستطيع وحدها حسم الوضع النهائي للإقليم، فلماذا بقيت قضية الثروات مرتبطة أصلًا بالسؤال عن وضع الصحراء الغربية وموافقة شعبها؟
محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي أكدت في أحكام 4 أكتوبر 2024 أن الصحراء الغربية إقليم منفصل ومتميز عن المغرب في إطار قانون الاتحاد الأوروبي، وأن الاتفاقات التي تمتد إلى الإقليم تتصل بمبدأ تقرير المصير وبمسألة موافقة شعب الصحراء الغربية. 
وهذا يشمل ملفات مرتبطة بالمنتجات الزراعية والصيد البحري واستغلال الموارد.
إذن:
الثروة لا تستطيع الانتخابات وحدها أن تحسم وضعها القانوني.
ولا يستطيع نائب منتخب أن يحول موردًا طبيعيًا إلى ملكية سيادية بمجرد حصوله على أصوات الناخبين.

سادسًا: الصندوق لا يستطيع أن يصوّت بدل الإنسان
وهنا نعود إلى جوهر السلسلة كلها.
خلال الحلقات السابقة رأينا:
شبابًا يبحثون عن العمل.
عمالًا يحتجون.
أسرًا تواجه التضييق.
مواطنين يطالبون بالحقوق.
معتقلين يضربون عن الطعام.
صحفيين وحقوقيين ومراقبين دوليين يُمنعون من الوصول إلى الإقليم في حالات وثقتها جهات مختلفة.
وثروات طبيعية يجري حول استغلالها نزاع قانوني وسياسي.
وفي النهاية يأتي الصندوق.
يُفتح.
تُوزع الأوراق.
تُحصى الأصوات.
تُعلن النتائج.
ثم يُقال:
لقد اختار الشعب ممثليه.
لكن السؤال الذي تطرحه هذه السلسلة ليس عن اختيار نائب أو حزب.
السؤال هو:
هل اختار الشعب وضع الإقليم؟
وهنا تكمن المسافة بين الأمرين.

سابعًا: ماذا تستطيع الانتخابات أن تفعل؟
الانتخابات تستطيع أن:
تنتج نوابًا.
تنتج مجالس.
تنتج أغلبية برلمانية.
تنتج حكومة وفق النظام الدستوري المعني.
وتمنح المنتخبين تفويضًا داخل المؤسسات التي جرت فيها الانتخابات.
لكن السؤال مختلف عندما يتعلق الأمر بإقليم ما زال مدرجًا لدى الأمم المتحدة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
فالأمم المتحدة ما زالت تدرج الصحراء الغربية على قائمتها منذ 1963. 
ولهذا:
لا ينبغي الخلط بين التفويض الانتخابي داخل مؤسسة وبين تقرير المصير بشأن الوضع النهائي للإقليم.

ثامنًا: وماذا عن التنمية؟
قد يقول قائل:
هناك طرق.
هناك ملاعب.
هناك فنادق.
هناك ساحات.
هناك حدائق.
هناك مشاريع فلاحية.
هناك طاقة رياحية وشمسية.
هناك استثمارات.
وهذا واقع يمكن رؤيته.
لكن التنمية العمرانية لا تجيب وحدها عن سؤال السيادة أو تقرير المصير.
فالطريق لا يصوّت.
والفندق لا يصوّت.
والملعب لا يصوّت.
والتوربين الهوائي لا يصوّت.
والفوسفاط لا يصوّت.
والسمك لا يصوّت.
الإنسان هو الذي يصوّت.
ولهذا فإن السؤال النهائي ليس:
كم بُني؟
بل:
من يملك الحق في أن يقرر ماذا سيكون عليه مستقبل الأرض والإنسان؟

تاسعًا: خمسون عامًا… والسؤال ما زال قائمًا
منذ إدراج الصحراء الغربية في قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي سنة 1963، مرّت عقود.
وفي سنة 1975 صدر رأي محكمة العدل الدولية.
وفي سنة 1991 أُنشئت بعثة MINURSO في إطار خطة التسوية والاستفتاء.
وفي سنة 1979 أكدت الجمعية العامة حق شعب الصحراء الغربية في تقرير المصير والاستقلال، وأشارت إلى جبهة البوليساريو بوصفها ممثلة لشعب الإقليم في مسار الحل. 
وفي 2025، مدد مجلس الأمن ولاية MINURSO حتى 31 أكتوبر 2026، ودعا إلى مفاوضات بهدف التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول للطرفين يوفر تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية، وأشار إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي كأساس للمفاوضات في نص القرار. 
وهذا يعني أن الملف، حتى الآن، لم يُغلق بانتخابات تشريعية مغربية، ولا بمشروع تنموي، ولا بأي نتيجة انتخابية محلية.

عاشرًا: الصندوق أمام التاريخ
بعد عشر حلقات، وصلنا إلى الصورة الكاملة:
الصندوق موجود.
والانتخابات موجودة.
والحملات موجودة.
والمرشحون موجودون.
والناخبون يصوتون.
لكن خلف كل ذلك توجد قضية أوسع:
أرض.
شعب.
موارد.
وضع دولي لم يُحسم نهائيًا.
وحق في تقرير المصير ما زالت الأمم المتحدة تشير إليه.
ولهذا فإن السؤال الذي بدأنا به يعود إلينا في النهاية:
من يملك الأرض… ومن يملك الصندوق؟
قد يستطيع الصندوق أن ينتج ممثلين.
وقد يستطيع البرلمان أن ينتج قوانين.
وقد تستطيع الحكومة أن تبني مشاريع.
وقد تستطيع الدولة أن تنظم انتخابات.
لكن:
لا يستطيع الصندوق أن يصوّت نيابة عن شعب لم يُستشر في تقرير وضع أرضه.

الخاتمة الكبرى للسلسلة
لقد حاولنا طوال هذه الحلقات أن نفعل شيئًا واحدًا:
أن ننظر إلى الصندوق من خارج الصندوق.
أن نرى ما وراء الورقة.
ما وراء الحملة.
ما وراء المال.
ما وراء الشعارات.
ما وراء المشاريع.
وما وراء النتائج.
فوجدنا أن الانتخابات قد تكون جزءًا من الحياة السياسية اليومية، لكنها لا تحسم وحدها سؤالًا أوسع من حدود البرلمان والمجلس والبلدية:
سؤال تقرير مصير الصحراء الغربية.
ولهذا، فإن الرسالة الأخيرة في هذه السلسلة ليست إلى مرشح بعينه.
وليست إلى حزب بعينه.
وليست دعوة إلى التصويت أو عدم التصويت.
إنها سؤال موجّه إلى التاريخ والقانون والسياسة:
هل يمكن لصندوق انتخابي أن يمنح السيادة على أرض لم يُحسم وضعها النهائي عبر عملية تقرير المصير؟
والجواب الذي تضعه أمامنا المرجعيات الدولية التي تتناول القضية هو أن الانتخابات داخل مؤسسات دولة لا تُغني بذاتها عن مسار تقرير المصير الخاص بالإقليم. 

«الصندوق لا يملك الأرض»
قد يستطيع الاحتلال أن ينظّم الانتخابات… لكنه لا يستطيع أن يُصوّت نيابةً عن التاريخ.
وقد يستطيع أن يملأ الصندوق بالأصوات… لكنه لا يستطيع أن يملأ الفراغ الذي خلّفه تغييب أصحاب القضية عن تقرير مصير أرضهم.
وفي نهاية السلسلة:
الأرض ليست صندوقًا.
والثروة ليست صندوقًا.
والإنسان ليس رقمًا في لائحة انتخابية.
وتقرير المصير ليس ورقة اقتراع في انتخابات تشريعية.
إنه حق سياسي وقانوني يتعلق بمستقبل شعب وأرض.
وهنا تنتهي سلسلة:
«صندوق الاحتلال»
لكن السؤال الذي تركته السلسلة لا ينتهي:
من يملك الأرض… ومن يملك حق تقرير مستقبلها؟

المنـصة الصحـراوية: “12-أكتـوبر”
من أجـل حقـوق الإنسـان وكـرامة الشعـب الصحـراوي.

التعليقات مغلقة.